هشام جعيط
156
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الصبغة العسكرية والصبغة البدوية ، ولا نعلم عنها إلا القليل . وتكون الكوفة إذّاك في هذه المرحلة الانتقالية السريعة جدا ، منظمة حسب تنظيم مرن للمعسكر ولكن دون صرامة الجيوش خلال الحرب - وكيف يكون الأمر مخالفا لذلك على أرض عراء ؟ - وأيد عمر المشروع ، ثم تمّ تجاوز هذه الصيغة عاجلا إذ ظهرت رغبة ملحة في الاستقرار ، أبداها المقاتلة ، فحل دور التخطيط سريعا . على أنه لا يمكن التحدث بالنسبة لهذه المرحلة الأولى المحددة زمنيا ، عن إرادة تعمدت « إنشاء » معسكر ، بل كانت إرادة في إقرار جموع المهاجرين على المكان ، أي على الأراضي التي استولوا عليها ، بمقتضى عدة خيارات أساسية هي : التجمع والقرب من بلاد العرب . أما الأمور الأخرى ، أي صيغة المجموعة السكنية ، فقد ترك الأمر لرغبات القاعدة . وصادف أن اختارت صيغة التجمع المدني ، أي تجمع المجال المبني المهيىء الوظيفي المتلاصق الذي يكون ملكا لهم ولا يصطبغ بصبغة حضارة أخرى . يجب التشديد على تسجيل هذه الرغبة في التخلي عن نمط حياة الترحال ، وهذه الجاذبية القوية نحو الاستقرار ، وهما خاصيتان تظهران عند المهاجرين في كل العصور . إنها الحاجة الكبيرة إلى الهدوء والمشاركة الاجتماعية . وبهذا فإن عمر لم يرد « إنشاء » معسكر أو مدينة ، بل كان « يشير » فقط ( كلمة شعبان جاءت في محلها هذه المرة ) « 1 » ، بنقطة للاستقرار والتجمع ، على أناس حرضهم على الرحيل خارج بلاد العرب ، فما لبثوا أن اختاروا الإطار المديني . وسواء أكانت مادة البناء المستعملة آجرا - وهذا كان تقليديا في بلاد الرافدين - أم قصبا ، فذلك أمر لا يهم كثيرا . المهم أن تعوض هذه المادة الخيمة ، فتشكل رمزية الاستقرار . لكن الأهم من ذلك هو أن يأتي التخطيط بعد تقرير البناء ، ويتضمن التخطيط جيدا فكرة ال « Planning » أي صورة المدينة المرسومة على الأرض ، حتى لو رفضنا أن العرب بكّروا بالبناء الصلب ، وأنه وجب ترقب ولاية المغيرة بضع سنوات أخرى . وقد اتفقت المصادر إما على طرح تزامن التمصير والتخطيط وإما على أسبقية التمصير على التخطيط بصورة طفيفة ، وهو رأي سيف الذي أضاف فكرة البناء بصفة قطعية . وتوحي لنا المصادر أيضا بتصور إرادة واضحة صادرة عن سعد ومستشاريه : منهم أبو الهيّاج الأسدي ، ونصارى الحيرة ، وبعض الفرس . فتم على الأقل تحديد المركز السياسي الديني طبق تقنية معينة ، وأحيط بخندق ، وأقرّت حول ذلك العشائر والقبائل . ووضع داخل المركز مركّب المسجد والقصر ، مع أنه كان بدائيا ، وإن لم يشيد أو أن بناءه كان متواضعا . وهكذا وضعت الأجهزة الأساسية للمصر وتحددت نهائيا طبق توجيهات دقيقة : إنه خلق لا مراء فيه تم عمليا من أول وهلة . وسوف تمتلئ الكوفة
--> ( 1 ) أمير المؤمنين - « first counsellor » ، في : . Islamic History , p . 57